عين إيران (ليست) على البيت الأبيض: ستراتيجية الاحتواء باقية

طهران | إذا كانت الانتخابات الرئاسية الأميركية تكتسي، دوماً، أهمية بالنسبة إلى إيران، خصوصاً لناحية التوجهات التي سيعتمدها ساكن البيت الأبيض حيالها، لا سيما في مسألة العقوبات، فإن رئاسيات 2024 تبدو على درجة عالية من الأهمية أيضاً، كونها تتزامن مع الحروب المندلعة في المنطقة، والمواجهة المتصاعدة بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل. ومن هنا، ثمّة ترقّب لِما ستؤول إليه الانتخابات، وكيف ستترجم نتائجها في المنطقة، وما إذا كانت ستوفّر أرضية لإقرار وقفٍ لإطلاق النار في غزة ولبنان، وتسهم في خفض التصعيد بين إيران وإسرائيل، أم أنها ستصبّ الزيت على النار المستعرة أصلاً في المنطقة؟
والحقيقة أن الرئاسيات الأميركية، ورغم أنها قد لا تُحدث تغييراً كبيراً في سياسة واشنطن تجاه طهران، لكنها قد تؤدي إلى تغيير في التكتيكات، أي إن الإستراتيجية العامة لن تتغيّر، فيما هوية الرئيس قد تترك أثراً مهمّاً على العلاقة مع إيران على الأمد القصير. ويسعى الحزبان، الجمهوري والديموقراطي، إلى تحقيق المصالح الأميركية في المنطقة، غير أن الأساليب التي يتبعانها لتحقيق هذه الأهداف، مختلفة؛ إذ يَعتبر الديموقراطيون والجمهوريون على السواء، أن هدفهما الرئيسي يتمثّل في تقييد سلطة إيران ونفوذها في المنطقة، ويستخدمان مختلف الآليات والأدوات لوضع هذا الهدف موضع التنفيذ. لكن توجّه الديموقراطيين يُعدّ غالباً أكثر ليونة، وهو قائم على التعاطي الدولي، فيما يَعتمد الجمهوريون سياسات متشدّدة ومباشرة. ومع ذلك، يريد كلا الحزبين منع إيران من التحوّل إلى قوة لا ينازعها أحد في المنطقة، ويسعيان إلى تحقيق غايتهما من طريق سياسة الاحتواء والعقوبات والقيود الدولية.
ويتابع الوسطان السياسي والإعلامي في إيران، تطورات الانتخابات الرئاسية الأميركية، على رغم انشغالهما بالردّ الإيراني المحتمل على الهجوم الإسرائيلي الأخير. وتوقعت صحيفة «اعتماد»، في مقال لزهراء نجاد بهرام، عند «خارطة التواصل الأميركي مع إيران والمنطقة»، والتي قالت إنها «لن تتغيّر إذا فازت كامالا هاريس، وستتواصل الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران، وقد يتم استخدام آليات وأدوات مختلفة، وربّما بلغة أكثر نعومة، غير أن آثارها لن تتغيّر». ورسمت الصحيفة صورة السياسة الخارجية الأميركية في حال فوز ترامب، قائلةً: «نظراً إلى التوتّر السلوكي لترامب، ستصبح الظروف أكثر حدّة من السابق على الأرجح، وسيبقى الشرق الأوسط مثلما كان في ولايته الرئاسية السابقة… وسيزداد الضغط على العرب أكثر من السابق وستواصل إسرائيل تمرّدها عبر إعادة تأهيل قدرتها العسكرية، ليمرّ الشرق الأوسط وإيران بذلك بتحديات جديدة محتملة، وسيسري ضرب من السلام المسلّح في المنطقة».
المهمّ بالنسبة إلى إيران، هو سياسة الرئيس الأميركي العتيد، إزاء الممارسات الإسرائيلية في المنطقة
وطرحت صحيفة «خراسان»، بدورها، في مقال لجعفر يوسفي، هذا التساؤل: «هل هاريس أفضل بالنسبة إلى إيران، أم ترامب؟»، وأجابت: «إن أيّاً من هذين المرشحين، لن يُدخل تغييرات رئيسية على السياسة الأميركية تجاه إيران، غير أن فوز هاريس يبدو أنسب لإيران بشكل عام، إذ في وسعها، عبر فتح أبواب الديبلوماسية، منح إيران فرصة لجهة خفض بعض العقوبات والتحسين النسبي للاقتصاد، في حين أن فوز ترامب، يمكن أن يفضي إلى تكثيف الضغوط والتوترات. وطبعاً، حتى مع فوز هاريس، لا يمكن توقّع أن تغيّر أميركا سياساتها بشكل عام».
كذلك، تطرّق السفير الإيراني السابق لدى لبنان والأردن، أحمد دستمالجيان، في حوار مع صحيفة «شرق» الإصلاحية، إلى «الاشتراك غير المقصود في وجهات النظر بين إيران وأميركا»، معتبراً أنه «يتعيّن على كلا المرشحَين الديموقراطي والجمهوري تطبيق المبادئ الإستراتيجية للولايات المتحدة. والفارق بينهما، يكمن فقط في تطبيق التكتيكات. لكن إن ألقينا نظرة على مسار التطوّرات والمعادلات على مدى السنة الماضية في الشرق الأوسط عقب عملية طوفان الأقصى، سنجد أن ثمة تجاوباً واشتراكاً في الرأي غير مقصود تبلور بين إيران والولايات المتحدة لإدارة التصعيد واحتوائه في غرب آسيا، وتؤكد طهران وواشنطن بصراحة أنهما ليستا بصدد زيادة التصعيد وتوسيع دائرة الصراع في المنطقة واندلاع حرب شاملة». وأعرب عن تفاؤله بأن تبدأ المحادثات بين إيران وأميركا، سواء فازت هاريس أو ترامب، مضيفاً أن «إدارة بزشكيان، رسمت سياسة خارجية جديدة، معالمها الرئيسية واضحة ومحدّدة بالكامل. لذلك، فإن تحلّى الغرب، لا سيما أميركا بنظرة واقعية، يمكن بدء المحادثات مع إدارة بزشكيان بسهولة، وتحقيق النتيجة المرجوة والقائمة على رابح - رابح للطرفين».
أما صحيفة «جوان» القريبة من «الحرس الثوري»، فكتبت: «أيّ إدارة تتولّى السلطة في أميركا، مكلّفة بمتابعة السياسات العامة الجائرة والسلطوية لهذا البلد، والتنافس بين الديموقراطيين والجمهوريين والنزاع بين هاريس وترامب، هما لعبة السلطة في المقياس الداخلي الأميركي وإلهاء الشعب بها ليس إلا، ونتيجتها لا تؤثر لا على السياسات السلطوية لهذا النظام ولا على مصائر الشعوب المستضعفة في العالم والشعب الإيراني النبيل. يجب النظر إلى المشهد بواقعية، وألا نُصاب بالخداع الذاتي».
